وعند الله تجتمع الخصوم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فلا يظنن ظان أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الخلق وتركهم هملًا يفعل كل امرئ منهم ما شاء دون أن يحاسب عليه عاجلا (في الدنيا) أو آجلًا (في الآخرة). وقد تحسَبُ العقول القاصرة أن ما تزرعه في هذه الدنيا تجنيه فيها، وأنها طالما الله عز وجل رازقها وحافظها فهي في مأمن من مكر الله تعالى. ولا تفكر تلك العقول أن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل وأنه تعالى لا يظلم أحدًا؛ فمن زرع خيرًا حصده، ومن زرع شرًا فلا يلومنّ إلا نفسه.

ومن تأمل في حال الناس اليوم رأى تفشي الظلم بينهم، وأن هذا الأمر قد عمّ وطمّ حتى طفح الكيل. فتجد الراعي يظلم الرعية، والرجل يظلم أخاه المسلم، والزوج يظلم زوجته وأولاده، والأخ يجور على حق أخيه… إلى غير ذلك من صور الظلم والجور. ثم تجد الكثير يلجأ إلى المحاكم والقضاة للفصل في المنازعات ويوكل أكبر المحامين للدفاع عنه مع علمه في قرارة نفسه أنه ظالمٌ لأخيه، جائرٌ على حقه، ومع ذلك لا يتورع أبدًا في أن يستلب هذه الحقوق ويأخذها لنفسه دون وجه حق.

وقد يحكم قاضي الدنيا لهذا الشخص الظالم فتجده يطير فرحًا مهللاً بما انتزعه من حقوق الآخرين، ونسي وتناسى –بل ربما لم يعلم- حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما جاءه رجلان يختصمان في قضية فقال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشرٌ، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكون ألحنَ بحُجَّتِه من بعضٍ، فأقضي له على نحوِ ما أسمعُ، فمن قضيتُ له بحقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذُه، فإنما أقطعُ له قطعةً من النارِ» (البخاري).

وكما قال الشاعر:

أما والله إن الظلمَ شؤمٌ *** وما زالَ الظلوم هو الملوم
إلى ديان يوم الدين نمضي *** وعند اللهِ تجتمعُ الخصوم
ستعلم في المعاد إذا التقينا *** غدًا عندَ المليكِ مَنْ الظلوم

فالظالم يتمادى في ظلمه وغيه وينسى أن يوم القيامة آتٍ {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47]. فحتى لو أخذ الظالم حقوق غيره بواسطة المحاكم والمحامين فإنه يوم القيامة سيحاسب وسيؤدي الحقوق هذه رغما عنه لكن سيدفعها من حسناته: قال صلى الله عليه وسلم: «لتُؤدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلِها يومَ القيامةِ. حتَّى يُقادَ للشَّاةِ الجلْحاءِ من الشَّاةِ القرْناءِ» (مسلم).

فيا أيها الظالم الجائر على حقوق الآخرين.. اتق الله، واتقِ يومًا سترجع فيه إلى اللهِ تعالى.. واتق دعوة المظلوم التي ليس بينها وبين الله حجاب.. وانتهِ عن ظلمك وعدوانك، واعلم أن «اللهَ عزَّ وجلَّ يُملي للظَّالم، فإذا أخذه لم يُفلِتْه» (مسلم). فاحذر مقت الله تعالى.

سهام عبيد

أضف تعليقا

السلام عليكم،

أو

Sign in

فقدت كلمة السر؟

ليس لديك حساب على إسلام ويف؟ انضم الآن.

Close
of

Processing files…